عايدة سعد تكتب: ما عدا الوطني”. لماذا خاف الإعلاميون من مواجهة البرهان بالسؤال؟
الخرطوم: مرايا برس

عايدة سعد تكتب: ما عدا الوطني”.. لماذا خاف الإعلاميون من مواجهة البرهان بالسؤال؟
كنت حاضرة في لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مع الإعلاميين وقادة الرأي العام. جلست أستمع إلى الحديث، وأراقب الأسئلة التي وُجّهت إليه، وما بين سؤال وآخر كان هناك سؤال واحد ظل يلحّ عليّ، وكنت أتمنى أن أسمعه من أحد الجالسين في القاعة.
لكن لم يسأل احد… ولم تتاح لي فرصة طرحه.. لاعطاء جل فرص المداخلات للعائدين من الخارج، وبعض كتاب الداخل.
لماذا “ما عدا الوطني”؟
قد تبدو العبارة صغيرة، لكنها في السياسة ليست كذلك. خصوصاً عندما تصدر من رئيس مجلس السيادة، وفي لقاء يتحدث فيه الجميع عن مستقبل السودان، وعن المرحلة السياسية المقبلة، ومن سيشارك فيها ومن سيُستبعد.
البرهان قال” ما عدا الوطني”.. ومضى الحديث.
لكن لماذا تركنا العبارة تمر؟
هنا أتساءل: هل أصبح السؤال عن المؤتمر الوطني والإسلاميين من المحظورات التي يخشى الإعلاميون الاقتراب منها؟
لماذا لم يقل أحد للبرهان: سيادة الرئيس، ماذا تقصد بـ”الوطني”؟ هل تقصد المؤتمر الوطني تحديداً؟ هل تقصد الإسلاميين؟ وهل هناك قرار سياسي مسبق باستبعادهم من المرحلة المقبلة؟
هذا هو دور الصحافة… ليس دور الصحفي أن يسأل المسؤول فقط عن الملفات التي يستطيع الإجابة عنها بسهولة، وإنما أن يمسك بالكلمة التي تبدو عابرة، ويقول له: توقف.. ماذا تقصد؟
ربما كان البرهان يقصد شيئاً محدداً، وربما كان يقصد أكثر مما قال. لكن في الحالتين كان يجب أن يُسأل.
والأخطر أن الصمت حول هذه العبارة قد يجعلها أكبر من حجمها، لأن عدم السؤال يفتح باب التأويل، بينما الإجابة الواضحة تغلقه.
أنا لا أدافع هنا عن المؤتمر الوطني، ولا أطالب بعودة الإسلاميين إلى السلطة. القضية أكبر من ذلك بكثير.
القضية هي: هل نريد سوداناً ديمقراطياً تُحسم فيه مشاركة القوى السياسية بالقانون وصندوق الانتخابات، أم سوداناً تُرسم فيه خريطة المشاركة السياسية بقرارات فوقية؟
إذا كانت هناك قوى ارتكبت جرائم أو تجاوزات، فالقانون هو الفيصل.
وإذا كان هناك حزب أو تيار يجب منعه من ممارسة السياسة، فليكن ذلك وفق قانون واضح وحكم قضائي ومعايير معلنة، لا بمجرد عبارة سياسية.
أما أن نقول إن هذه القوى «مرفوضة» قبل أن يبدأ السباق السياسي، فهنا يصبح السؤال مشروعاً:
من الذي يملك حق إقصائها؟
هل الجيش سيحمي العملية السياسية، أم سيحدد بنفسه من يدخلها ومن يُمنع منها؟
هذه ليست مسألة تخص المؤتمر الوطني وحده.
اليوم قد يكون الاستبعاد موجهاً إلى هذا الطرف، وغداً قد يطال طرفاً آخر. وعندما تصبح قاعدة السياسة هي: هذا مقبول وهذا ممنوع، دون معيار قانوني واضح، فإن الديمقراطية نفسها تصبح مجرد لافتة.
ولهذا كنت أتمنى أن أسأل البرهان مباشرة:
“سيادة الفريق أول البرهان، عندما قلتَ “ما عدا الوطني”، هل كنت تعلن موقفاً شخصياً، أم قراراً سياسياً بشأن مستقبل المشاركة؟ وإذا كان قراراً، فمن منح السلطة حق تحديد من يشارك ومن يُقصى؟
ربما كان السؤال سيضع البرهان أمام إجابة صعبة.
لكن وظيفة الصحافة ليست البحث عن الإجابات السهلة.
وظيفة الصحافة أن تسأل السؤال الصعب في اللحظة التي يخشى الآخرون طرحه.
ولهذا لا يزال السؤال عالقاً في رأسي:
لماذا قال البرهان” ما عدا الوطني”؟
والأهم من ذلك:لماذا خاف الإعلاميون من سؤاله: لماذا؟



